إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو الضرورة والوسائل – نبيل اديب

قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989وإزالة التمكين لسنة 2019، ونشير إليه فيما يلي بقانون إزالة التمكين تسهيلا للمرجع، هو قانون أساسي لأداء مهام الفترة الإنتقالية، يهدف إلى إنهاء سيطرة الحزب الحاكم في نظام الإنقاذ، على مفاصل الدولة، والإقتصاد بعدد من الإجراءات، التي تقوم بها في المبتدأ لجنة تسمى “لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد وإسترداد الأموال”. وتهدف تلك الإجراءات لإزالة التمكين بمختلف أنواعه، إستجابة للواجب الدستوري الذي نصت عليه الفقرة 15 من المادة الثامنة من الوثيقة الدستورية لعام 2019م والتي ألزمت أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية بتفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو عام 1989م وبناء دولة القانون والمؤسسات .
وهذه الفقرة تربط بين تفكيك النظام السابق وبناء النظام الذي تهدف ثورة ديسمبر الى بنائه. ووفقا لهذا النص الدستوري فإن ضرورة إزالة نظام الثلاثين من يونيو تنبع من إرتباط ذلك بمهمة بناء دولة القانون والمؤسسات. وهذا الإرتباط يقصر الوسائل التي يجب إتباعها للتوصل لإزالة ذلك التمكين عل تلك الوسائل التي لا تتعارض وبناء دولة القانون والمؤسسات. وهذه الورقة تهدف لإيجاد تشريع يلبي هذه الضرورة

ما هو المقصود من تمكين نظام الثلاثين من يونيو
يعني تعبير تمكين نظام الثلاثين من يونيو سيطرة العصبة الحاكمة في الفترة التي بدأت في ثلاثين يونيو 1989 وإنتهت في 1 ابريل عام 2019م على أجهزة الدولة المختلفة في السودان. وهذه السيطرة تميزت بأنها سيطرة كاملة، تم التوصل لها بواسطة ماكانت تصدره العصبة الحاكمة من قوانين، وأيضاً وفي أحيان كثيرة على الرغم من الاحكام الواردة في القوانين، بحيث توصلت العصبة الحاكمة إلى السيطرة التامة على أجهزة الدولة وإمكانياتها. إزالة التمكين تعني أمرين الأول سيطرة العصبة الحاكمة على مراكز إتخاذ القرار في أجهزة الدولة. والثاني هو إسترداد أموال الدولة التي تم تحويلها للتكوينات السياسية أو الهيئات أو الأفراد التابعة للعصبة الحاكمة نتيجة لسيطرتها على مراكز إتخاذ القرار في أجهزة الدولة .
وفي البدء يجب علينا أن نخرج عن بيت العنكبوت لنمسك بكافة خيوطه. إنطلاقا من ذلك فلقد إخترت تعبير العصبة الحاكمة بدلا عن أسماء التكوينات السباسية التي كانت تعمل تلك العصبة من تحت مظلتها، كالجبهة الاسلامية أو المؤتمر الوطني. لماذا؟ لأن العصبة الحاكمة في فترة الانقاذ لم تكن تخضع للوائح التي كانت تخضع لها تلك التكوينات. فالهيئات الحاكمة كالجبهة الاسلامية والمؤتمر الوطني كانت تبصم على قرارات تأخذها تلك العصبة الحاكمة، ولكنها لم تكن حقيقة تملك هي سلطة إصدار القرار. ونتيجة لذلك فلقد إستخدمت جهات أحرى للوصول لنفس النتائج. لذلك فإن مايعنينا في هذا الصدد إنهاء سيطرة العصبة الحاكمة على الدولة بغض النظر عن الوسيلة أو الجهة المستحدمة للوصول لتلك السيطرة.
إن كل ما نعلمه عن حكم الإنقاذ، هو أنه كان حكم مجموعة صغيرة من المسيطرين على مقاليد الأمور، ولكن لم يكن معروفاً في بعض الأحيان من هم تحديداً الأشخاص الذين يحكمون بالفعل. وقد شهدنا ذلك في بدء حكم الإنقاذ فقد كان هناك حديث يملأ المدينة عن المجلس الأربعيني الحاكم، ولا ندري حتى الآن مدى صحة ذلك، ولكن المؤكد أن السلطة الفعلية لم تكن فى يد مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني بتكوينه المعلن ، وفى الأغلب كان يتولى مقاليد الأمور جزء فقط منهم، مع آخرين من غير المتولين لأي منصب، وبعض من هؤلاء كان آنذاك في السجن حبيساً.
السيطرة على أجهزة الدولة
رغم أن هذه السلطة سقطت مع سقوط سلطة الانقاذ ولكن بعض من الفلول ما زالوا يتولون مناصب في أجهزة الدولة، مما يعرقل إنجاز مهام الفترة الإنتقالية.
تتكون أجهزة الدولة الدائمة من موظفين حكوميين يتم تعيينهم بشكل أساسي حسب خبراتهم وقدراتهم للقيام بأعباء وظيفية ثابتة ويفترض فيهم أن يكونوا مستقلين عن الصراع السياسي الدائر بين المكونات السياسية في المجتمع المعني. واستقلال الموظفين العموميين عن الانتماء الحزبي ضروري لكي يضطرد العمل في الدولاب الحكومي، بغض النظر عن تغيير الحكومات، وهو أمر كثيرا ما يحدث النظام الديمقراطي، لأن ذلك النظام يقوم جوهره على التبادل السلمي للسلطة. فجهاز الدولة يضع سياسة الحكومة القائمة موضع التنفيذ، على الوجه المطلوب فنيا ومهنياً ليس بسبب إقتناعه الشخصي بصحتها سياسيا، بل لأن واجبه الوظيفي يقتضي ذلك.
وفقاً لذلك فإن النظام الديمقراطي يقوم على استقلال جهاز الخدمة المدنية عن العمل الحزبي. وهذا يمنع أعضاء ذلك الجهاز من الانضمام للأحزاب حتى يقوموا بتنفيذ مهامهم الوظيفية بالمهنية المطلوبة، بغض النظر عن القناعه السياسية لأي منهم.
إزالة التمكين بالنسبة لهذا الجانب يعني الاستغناء عن خدمات الموظفين العموميين المتحزبين الذين يوالون أي سياسة كانت تنتهجها العصبة الحاكمة بسبب ولاءهم السياسي لتلك العصبة، أو الذين تم تعينهم بالمخالفة لقواعد التعيين القانونية، مما يجعلهم غير مؤهلين لتحمل تبعات الوظيفة.
يبقى بعد ذلك السؤال وهو كيف تتم مساءلة الأشخاص المتورطين في عمليات غير قانونية، مستغلين سلطاتهم كأعضاء في أجهزة الدولة المختلفة، لإتخاذ قرارات أو الدخول في معاملات بغرض إنتهاك مصالح الدولة لصالح العصبة الحاكمة، أو من يوالوها، في فترة حكم الإنقاذ ؟ هذه القرارات والمعاملات هي قرارات ومعاملات غير مشروعة، يشوبها عيب إستغلال السلطة إدارياً، أو مخالفة القوانين المدنية أو العقابية، وهذا الأمر يستلزم أن يتم بشأنها قرارات تبطلها، إما إدارية أو قضائية، مدنية كانت أو جنائية. وفي كل الأحوال تختص الجهه صاحبة السلطة الإدارية أو القضائية بالتحقيق في المسألة بما يتبعها من أجهزة التحقيق، للوصول إلى نتيجة عادلة حول صحة القرارات أو المعاملات من جهة وحول مسؤولية المتورطين فيها من جهة أخرى. وفي هذه الإجراءات يجب أن يتمتع المشتبه فيه بحق الدفاع القانوني، الذي يشمل العدالة الإجرائية في مرحلتي التحقيق والمحاكمة، التي تكرس الحق في الدفاع القانوني عن النفس في كافة المراحل .
نحن لا نتحدث عن أي إجراءات خاصة، نتيجتها معروفة سلفاً. كل ما نتحدث عنه هو مسائلة المخطئين عن ما ارتكبوا من أخطاء وفقاً للإجراءات القانونية، التي تضمن نزاهة المسائلة.

إسترداد الأموال
والجانب الآخر بالنسبة لإزالة التمكين يتمثل في إسترداد الأموال العامة التي تم الحصول عليها بواسطة الحزب الحاكم أو واجهاته أو المتنفذين في النظام المباد، بطريق غير مشروع. وهي أموال إما مملوكة أو مستحقة للدولة تم الحصول عليها إستغلالا للنفوذ أو بشكل من إشكال الفساد.
السوال المحوري هنا هو هل الأمر بإسترداد تلك الأموال هي من سلطات اللجنة حسبما سار العمل بأي مسمى كان ذلك الإستيلاء؟ هذا ما نود هنا الإجابة عليه. الأصل هو أن الدولة تحصل على الأموال عن طريق الضرائب، ولها أن تنشيء أو تشارك في مشاريع خاصة بغرض رفع القدرات الإقتصادية للمجتمع الذي تحكمه كهدف رئيسي، وللإنتفاع من عائدها كهدف ثانوي. ولكن الدولة أيضا تحصل على أموال مملوكة للأفراد عن طريق التعاقد مع أصحابها، لإعتبارها أحد أشخاص القانون. كما ويجوز لها الإستيلاء على الأموال جبراً عن صاحبها إستثناءً عن طريق التأميم والمصادرة.

التأميم والمصادرة.
الفرق بين التأميم والمصادرة، هو أن التأميم يقوم على نزع ملكية عقار، أو مشروع، أو عمل صناعي أو تجاري معين، مملوك لجهة خاصة، وتحويله لملكية للدولة، عن طريق إستخدام الدولة لسلطتها الممنوحة لها بموجب القانون. ومشروعية هذا الإجراء يقصرها الدستور على توافر شرطين الأول أن يكون سبب القرار إستجابة لمتطلبات الصالح العام، والتي تدعو لإستخدام عقار أو مشروع إقتصادي بشكل معين، يلزم معه تحويل ملكيته لصالح الدولة. والثاني أن تقوم الدولة بذلك في مقابل تعويض عادل. هذا التعويض يخضع تقديره في حالة عدم الإتفاق إلى مراجعة القضاء.
أما المصادرة فهي تجريد لشخص من كافة ممتلكاته أو بعضها كعقاب على فعل جنائي إرتكبه. والمصادرة لا تقع بحكم الدستور إلا بحكم قضائي تحكم به المحكمة وفق القانون.
معنى كلمة إسترداد في القانون

معلوم أن اللجنة كانت تستخدم كلمة إسترداد للإشارة إلى قرارتها بتحويل ملكية ممتلكات في يد أفراد أو هيئات بعينها لصالح الدولة، فما صلة ذلك بمعنى الكلمة في لقانون؟

إستخدم قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين كلمة إسترداد ولكنه لم يعرفها. والمعلوم أن القانون إذا إستخدم تعبيراً معيناً بمعنى خاص، مختلف عن المعنى العادي لذلك التعبير، فإنه يضع له التعريف الذي سيستخدمه به في صدر التشريع الذي إستخدمه على ذلك النحو. لما كان التشريع المعني لم يفعل ذلك، فإن المعنى الوحيد الممكن إستخلاصه من كلمة إسترداد هو المعنى اللغوي العادي لها. وسنسارع بإستبعاد المعنى المستخدم في إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والذي جاء في تصريحات بأنها مصدر هذا التعبير، وذلك لأنه إذا كانت الإتفاقية المذكورة إستخدمت الكلمة بمعنى خاص ــ وهي لم تفعل على ما سنرى حالاُ ــ فقد كان الأولى بالمشرع أن يضمن التشريع تعريفا يقول أن كلمة إسترداد تعني هنا نفس المعنى الذي تحمله إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وواقع الأمر هو أن الإتفاقية لم تضع تعريفا معينا للفظ الإسترداد، وقد خلت المادة الثانية والخاصة بالمصطلحات المستخدمة من تعريف لمصطلح إسترداد. صحيح أن الإتفاقية إستخدمت المصطلح ولكنها إستخدمته بمعناه العادي في المواد 52 و53، والتي توجب التعاون الدولي لإسترداد الأموال الواقعة عليها الجريمة عبر الحدود الدولية، الصادر بها أحكام قضائية، في الدولة التي وقعت فيها الجريمة. إذا فليس أمامنا إلا أن نقول أن القانون لم يضف على كلمة إسترداد معنىً خاصاً، وإنما يستخدمها بمعناها اللغوي العادي. والإسترداد لغة هو إستعادة الشئ الذي خرج لأي سبب من الأسباب عن حيازة شخص ما، إلى ذلك الشخص. وخروج الشيء عن حيازة الشخص يمكن أن يتم برضا الشخص، أو بحكم القانون، أو بعمل غير مشروع. وكلمة إسترداد تشمل من حيث المعنى عودة الشيء إلى تلك الحيازة، بغض النظر عن سبب خروجه عنها في المقام الأول.

أيلولة أموال حزب المؤتمر الوطني للدولة

إستخدم قانون تفكيك نظام الإنقاذ لفظ الإستراداد بصيغتين مختلفتين، في ثلاث نصوص مختلفة. الأولى في عنوان القانون حيث إستخدمها في صيغة المصدر، وإستخدمها مرة أخرى بنفس الصيغة في إسم اللجنة. والثالثة في الفقرة الثالثة من المادة (4) من ذلك القانون، وقد إستخدها في صيغة الفعل المبني للمجهول، فنص على أن تُحجز وتُسترد الممتلكات والأموال المملوكه للحزب والواجهات التابعة له، وتؤول لصالح وزارة المالية والتحطيط الإقتصادي.ووفقا لذلك فالإسترداد يقع وفقاً لأحكام ذلك القانون، على الممتلكات والأموال المملوكة لحزب المؤتمر الوطني، أو لواجهاته التابعة له. وكلمة واجهات أيضاً لم يتم تفسيرها بواسطة القانون، مما يلجئنا لتفسيرها وفقا لمعناها السياسي. الواجهة تعني لغةً ما يقابل النظر من الشيء المنظور. وواجهات الأحزاب في الأدب السياسي تعني الواجهات التي يكونها الحزب للعمل من خلفها، أو التحالفات السياسية التي يعمل من خلالها.
ولكن كلمة إسترداد لم يستخدمها القانون في غير ذلك من صور الفساد. على أي حال فالفقرة شابها غموض غير مستحب في التشريع. فهي إستخدمت
كلمة تُسترد بصيغة مبنية للمجهول، دون تحديد لجهة بعينها، تمنحها سلطة إسترداد الممتلكات، والأموال المملوكة للحزب، أو الواجهات التابعة له. وما يزيد الأمر غموضاً أن المادة تتحدث عن الأموال المملوكة بواسطة المؤتمر الوطني، فهل كلمة تُسترد هنا تعني أن تلك الأموال الخاضعة للإسترداد، كانت قبل إمتلاكها بواسطة المؤتمر الوطني، مملوكة لوزارة المالية والتخطيط الإقتصادي؟ هذا هو معنى المصطلح، وإن كنت لا أعتقد أن هذا هو المقصود. وكان الأوفق أن تُحذف كلمة تُسترد من الفقرة، فيكون نصها “تُحجز الممتلكات والأموال المملوكه للحزب والواجهات التابعة له، وتؤول لصالح الدولة” إذ لا معنى للنص على وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي، لأن أيلولة الملكية للدولة هو الحكم المطلوب، أما الجهة داخل جهاز الدولة التي ستستفيد من تلك الأيلولة فتختلف حسب طبيعة الأموال نفسها.

مصدر الحكم وسلطة تحديده

هذه هي صيغة أوضح للمقصود من المادة، وهو أيلولة كل الأموال المملوكة للمؤتمر الوطني وواجهاته للدولة. وهي أيلولة تقع بحكم القانون، ولا تحتاج لقرار من جهة بعينها، ولكن ما يحتاج لقرار هو تحديدها وإستخلاصها في مواجهة الجهات التي تدعي ملكيتها. علينا أن نفرق هنا بين الأموال المملوكة للحزب المحلول وواجهاته بشكل واضح قانوناً، لا يحتمل نزاعاً. وأمثلة ذلك تبدو بالتسجيل في العقارات، أو بالحيازة بالنسبة للمنقول. وهذه الممتلكات تؤول ملكيتها للدولة بحكم القانون، ولا تحتاج أصلا لقرار من لجنة إزالة التمكين. وبين الممتلكات المملوكة للحزب والتي يأتمن عليها غيره بشكل غير ظاهر وهذه سنتناولها لاحقا.
بالنسبة للحالة الأولى فقرار الحل يحمل في طياته أيلولة الممتلكات للدولة. السؤال هو ما هي طبيعة هذه الأيلولة؟ لا شك أن الأيولة هنا تقوم على نزع الملكية كعقوبة. وهي إذا مصادرة. وحكم القانون بأيلولة أموال الحزب للدولة، لا يشكل صعوبة دستورية، لأنه قرار تبعي مترتب على الحل. صحيح أن المصادرة لا تجوز إلا بحكم قضائي، ولكن هذا هو حكم دستوري يتمتع به الأفراد والهيئات التي يعترف بها القانون. حل الحزب هو بمثابة إعدام له لا يجعل له أي حقوق يمكن بقاؤها على إستقلال. وإن جاز الطعن في الأيلولة كجزء من الطعن في قرار الحل نفسه.
الأموال التي تم إنتقالها عن طريق معاملات فاسدة

معلوم أن للجنة إختصاصات أخرى وهي محاربة الفساد، وتفكيك التشكيلات القانونية التي كان المؤتمر الوطني يستخدمها في التمكين لنظام الإنقاذ، والتي منح القانون للجنة سلطة حلها. وهذه التشكيلات تشمل النقابات، والإتحادات المهنية، والجهات الحكومية، والشركات الخاصة، وأي مكون أخر حسبما هو وارد في القانون. والسؤال هو ما هي سلطة اللجنة فيما يتعلق بالأموال التي تصل من واقع تحرياتها إلى أنها في واقع الأمر تخص الحزب أو واجهاته، ولكنها مسجلة كعقار، أو تحت حيازة آخرين؟ هنا علينا أن نعود بمنتهى الدقة لسلطات وإختصاصات اللجنة.

الأموال المملوكة في الظاهر لهيئات أو أشخاص آخرين

الملاحظ أن اللجنة في قراراتها المتعلقة بالأموال، تستخدم لفظ الإسترداد للإشارة إلى الأموال التي قررت أنها إنتقلت عن طريق الفساد، إلى أفراد كانوا متنفذين في نظام الإنقاذ، أو أموال مملوكة لحزب المؤتمر الوطني أو واجهاته، وهذه المسائل يشوبها خلل كبير.
لابد لنا هنا من التفرقة بين الأموال المملوكة لهيئات، وبين الأموال المملوكة لأشخاص. الثابت هو أن الأموال المملوكة لهيئات، يترتب على حل المنظمة التي تملكها، ضرورة تحديد جهة لحصرها ولحفظها، منعاً لضياع تلك الأموال. وبالتالي فإن حل المنظمة يتطلب بالضرورة وضع الأموال المملوكة لها، حتى ولو كان ذلك بشكل مؤقت، في يد جهة ما. لذلك فإن القانون ينص على أن تحدد اللجنة طريقة التصرف في تلك الأموال. وهذا الأمر هو بطبيعته مؤقت لحين إستلامه بواسطة النقابة أو الهيئة البديلة. ولكن ذلك لا يمنع الطعن في تلك القرارات بالسبل التي وفرها القانون في الطعن في قرارات اللجنة. وقرار التصرف في ممتلكات الهيئة أو النقابة المحلولة يتصف أيضا بصفته قرار تبعي، وغالبا ما يتم الطعن فيه مع الأمر الأصلي الذي يقضي بالحل.الأموال المملوكة لأشخاص أو لهيئات قائمة
السؤال هو ما هي سلطات اللجنة فيما يتعلق بالأموال المملوكة لأشخاص
أو لهيئات لم تخضع لقرار بالحل، ولكن تحريات اللجنة تشير إلى أن تلك الأموال هي في واقع الأمر مملوكة لحزب المؤتمر الوطني؟ هل سلطات اللجنة تمتد إلى الإستيلاء على تلك الأموال؟
وكذلك يثور سؤال بالنسبة لسلطات اللجنة، فيما يتعلق بالأموال المملوكة لأفراد أو هيئات لهم علاقة بالمؤتمر الوطني، أو بنظام الإنقاذ، والتي تشير تحريات اللجنة إلى أن تلك الأموال قد إنتقلت إليهم عن طريق إستغلال النفوذ أو أي معاملات أخرى فاسدة. ما هي حدود سلطات اللجنة بالنسبة لتلك الأموال؟
الواضح هو أن حكم القانون في هذه المعاملات هي نزع ملكية تلك الأموال في الحالتين. الأولى لأنه لم يعد لحزب المؤتمر الوطني أو لأي من واجهاته سلطة تملك الأموال، وبالتالي فإنه إذا ظهر أن أموالا معينة يمتلكها أفراد أو هيئة في الظاهر، ولكنه في الواقع يفعل ذلك بإعتباره/ها أمين/ة عليها لصالح جهة غير مشروعة، فإنه لا تكون له صفة أصلا في المطالبة بها، لأن عقد الأمانة يكون عقدا باطلاً، إذ أن الأمانة لا تنعقد ولا تستمر بالمخالفة للقانون. إذا فهذه الأموال تؤول بحكم القانون إلى الدولة.
والحال لا يختلف عن الأموال التي تكشف اللجنة عن أنه تم الحصول عليها بواسطة متنفذين عن طريق معاملات فاسدة، سواء أكان ذلك بإستغلال النفوذ أو بقبول الرشى، أو بالإكراه غير المشروع، أو بالإبتزاز، أو بغيرها من تلك الأساليب غير المشروعة. إستخدام تلك الأساليب تبطل إنتقال الأموال الذي تم نتيجة لها وبالتالي فإن كل هذه الأموال تؤول للدولة ولكنها تؤول للدولة بحكم القانون وليس بقرار اللجنة والفرق بين الإثنين لا تخطئه عينا قانونية.
الأصل هو أن أيلولة الأموال من شخص من أشخاص القانون، إلى شخص آخر، تتم إما بالعقد، أو بحكم القانون. هل الدولة تُستثنى من ذلك؟ نعم. ولكن فقط عند تدخلها بصفتها دولة لنزع الملكية للصالح العام، أو عن طريق محاكمها بالمصادرة كعقوبة جنائية.
ضرورة صدور حكم قضائي
ويعقب هذا سؤال آخر، هل تنقل المعاملات الفاسدة، الملكية من شخص لآخر؟ الإجابة عندي بالنفي؟ ألا يعني ذلك أن إسترداد اللجنة للأموال التي ثبت لها أنها قد خرجت عن ملكية الدولة عن طريق معاملة فاسدة هو حكم متفق مع القانون؟ الإجابة بالنفي لسببين: الأول أن المعاملة لاتقع باطلة ولكنها تكون قابلة للإبطال لصالح الطرف الذي شاب إرادته أحد العيوب التي تبطلها، وهو هنا الدولة. والثاني أن إبطال تلك المعاملة يقع بحكم قضائي كاشف. لأن الحكم القضائي إما مقرر، أو كاشف. والحكم المقرر ينفذ من تاريخ صدوره، لأنه ينشيء أوضاعاً قانونية لم تكن موجودة قبل صدوره. في حين أن الحكم الكاشف هو حكم يكشف عن وضع قانوني كان موجوداً قبل صدور الحكم. ومن ذلك الحكم ببطلان العقد، أو بأيلولة ممتلكات المورث إلى الورثة. وبالتالي فإن الأموال التي إنتقلت إلى مالكها عن طريق إستغلال النفوذ، أو المعاملات الفاسدة، هي أموال ليست مملوكة للشخص الذي إنتقلت إليه عن ذلك الطريق. ولكن ذلك الوضع القانوني لا ينفذ في مواجهة الكافة بذاته، بل يتم ذلك عن طريق حكم قضائي يكشف عدم صحته.
هل تملك اللجنة سلطة نزع المال؟

السؤال هو هل منح قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد وإستراداد الأموال سلطة الأمر بنقل ملكية الأموال المملوكة لأفراد أو لهيئات قائمة إلى الدولة ؟ بمراجعة المادة 7 من قانون إزالة التمكين نجد أن الفقرات التي تتحدث عن التصرف في الأموال هي الفرات (ب) و)(ج) و (و) من المادة . الفقرتان (ب) و (ج) تتحدث عن التصرف في أموال هيئات عقب صدورأمر بحلها. وهذا التصرف هو نتيجة ضرورية لإنهاء الشخصية القانونية للهيئة المحلولة، وهو تصرف مرتبط بصحة قرار الحل، وبالتالي فإنه لا يقوم على نقل ملكية المال من جهة لأخري.
أما الفقرة (و) فهي تتحدث عن محاربة الفساد والمفسدين، وهو الأمر الذي يعنينا هنا. فما هي سلطات اللجنة في هذا الصدد؟ تنص الفقرة على أن من سلطة اللجنة إتخاذ كافة التدابير والإجراءات والدعاوي والسؤال هو هل تشمل تلك الإجراءات إصدار قرار بمصادرة تلك الأموال؟ الفقرة (و) تدرجت في السلطات بدءأ من إتخاذ كافة التدابير، ومروراً بالإجراءات، وإنتهاء برفع الدعاوي، فهل تشمل كلمة التدابير إصدار قرار بالتصرف في الأموال؟
في إعتقادي، كما أسلفت، أن المعاملات الفاسدة لا تنقل الملكية وفقاً للقانون. لأن المعاملات الفاسدة معاملات غير شرعية لا تنتج أثراً قانونياً، وبالتالي فإن المعاملة لا تكون باطلة، ولكنها قابلة للإبطال. والدولة هنا هي طرف من طرفي المعاملة تم التصرف نيابة عنه بتفويض غير سليم. ولكن السؤال هو هل تملك اللجنة سلطة إبطال المعاملة؟ الثابت هو أن اللجنة هي جهة إدارية وبالتالي فهي ممثل للدولة لا تملك سلطة الفصل في نزاع الدولة طرف فيه، بإستخدام سلطان الدولة لأن سلطة الفصل في النزاع هي سلطة قضائية. الإبطال هو حالة قانونية تجرد المعاملة من أي أثر قانوني، ولكن تلك الحالة تحتاج لحكم قضائي للكشف عنها. وبالتالي فإنه لا يجوز لجهة الإدارة أن تقرر هي حالة البطلان، في تعامل تم نيابة عنها وتنقل ملكية المال إستنادا على قرارها هي بإبطال معاملة هي مجرد طرف في المعاملة و سلطة إبطال المعاملة هي سلطة يستقل بها القضاء. ليس فقط لأنها فصل في خصومة، ولكن لأن ملكية الأموال محمية بواسطة الدستور، ولذلك فإنه لا يجوز أصلاً لجهة الإدارة أن تقرر صحة ذلك التملك، طالما أنه تم في ظاهره صحيحا. وإنما يجوز لها فقط أن تنازع في صحة ذلك التصرف أمام القضاء.
مجمل القول هنا هو أن الأموال التي تم الحصول على ملكيتها بواسطة أي من أعمال التمكين الواردة في قانون إزالة التمكين، هي أموال تم الحصول عليها بطريق غير مشروع، وبالتالي فإن التصرفات التي أنتجته هي تصرفات غير مشروعة. ولكن عدم المشروعية قد وقع بفعل هو في ظاهره صحيح مما يستلزم أن يتم الكشف عن عدم مشروعيته بحكم قضائي، لأن جهة الإدارة لا تملك أن تقرر بإرادتها الذاتية عدم مشروعية ذلك التصرف.
في الختام فإن جميع الإجراءات التي تقع من أجل إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو وإسترداد الأموال العامة التي إنتقلت وفق معاملات غير مشروعة كنتيجة لأعمال التمكين يجل أن تتم وفق إجراءات قانونية ملتزمة بالتدابير السليمة للقانون Due prpcess of the law وبأحكام الدستور

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق