دكتور إبراهيم البدوي يكتب: الدروس والعبر المستفادة من خطاب رئيس الوزارة

لا شك أن الخطاب التاريخى الذى ألقاه مساء أمس الأول، الثانى من يناير، الأخ دكتور عبد الله حمدوك رئيس وزراء حكومة الثورة المستقيل قد قدم الكثير من العبر لمن “أُلقى السمع وهو شهيد”.

هذا الخطاب الوطنى الهام بقدر ما أنه جسد معاناة رجل قدم أقصى ما يستطيع وأقدم على مخاطرة كبيرة سعياً للملمت شعث البلاد كما أعتقد، إلا أنه يجب أن يُقرأىكوثيقة إدانة قوية لحاضنة مفترضة لم تقرأ  التاريخ ولم تعبأ بفهم المتلازمة السودانية (نظام شمولىثورة شعبية –  ديمقراطية انتخابية غير مستقرة نظام شمولى أكثر سوءا ً … وهكذا) ومألاتها الكارثية والتي أعاقتالمشروع الوطنى لأكثر من ستين عاما ً ونيف، رغم تضحيات هذا الشعب وثوراته
المشهودة، وثورتهالخاتمة بإذن الله، أم الثورات التى كانت وما زالت تأخذ بألباب أحرار العالم فى كل مكان. حتى وإن لم يفصحبوضوح، الا أن الخطاب يستبطن بحسرة مرارات تجربة الشراكة مع قيادة المؤسسة العسكرية التي تعاملت مع هذه الثورة واستحقاقاتها باستعلاء واستخفاف لا تخطئه العين، يشى بأنها أصلا ً ربما لم تكن تؤمن بأن هناك ثورة.


أتقدم هنا بقراءة للحوار والنقاش،خاصة لأبنائى وبناتى من الشباب،سعيا ً الى مقاربة واقعية لبناء مشروع وطنى توافقى يمكن أن يحقق أهداف الثورة في ظل الفضاء السياسى الذى تأسس في كنف هذا الجيل السودانى الشاب، الذى أدخلنا في الممر الضيق المفضى الى الحرية والنهضة والرقى والذى يقدم الآن  أروع ملاحم البطولة والفداء ليعيدنا الى ذلك الممر الحميد بعد أنأخرجنا منه الانقلابين والفلول وغيرهم من أصحاب الأفكار العدميةالبالية.


1
.الثابت الوحيد في السودان منذ سبتمبر2013،والذى تجذّر وتعمّد بشلالات الدماء الذكية التي تدفقت ولا زالت فيشوارع بلادنا الحبيبة منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، هو هذه
الظاهرة الديموغرافية الاجتماعية السياسية التي أفرزت هذا الجيل الاستثنائي الشاب الذى يشكل ما يقارب السبعين في المائة من الشعب السودانى وهذا الفضاء السياسى الباذخ الذى أفرزته هذه الظاهرة.


2
.هذا الفضاء حدد اطارا ً سياسيا ً ذو ملامح واضحة تمحورت أضلاعها الثلاثة في اللاءات الثلاثة:لا تفاوض، لا شراكة،ولا مساومة مع الطغمة الانقلابية. هذه اللاءات الثلاثة ومعها الأخيرة المتعلقة “بلا شرعية” الانقلاب وما ترتب عليه،شكلت حالة ذهنية للشعب السودانى الذى امتلأت به الشوارع والساحات في كل المدن والبلدات والأرياف على امتداد جغرافية هذا الوطن الحبيب الشاسع المترامى الأطراف.


3
. في سياق هذا الثابت الديموغرافىالاجتماعىالسياسى، لابد أن تسعى الأحزاب والقوات النظامية والحركات المسلحة والقوى المدنية والمهنية كافة الى التموضع في اطار الفضاء السياسى الذى أفرزه هذا الثابت الذى يُنتظر، بإذن الله، أن يُؤسس لقيامة السودان الأرض والانسان، وأن ينهىى للأبد، بعون الله وتوفيقه، هذه المتلازمة المدمرة وصولا ً الى ديموقراطية توافقية مستدامة، ترفدها أحزاب برامجية يقودها هذا الجيل الشاب العابر للولاءات الجهوية
والعصبيات الماضوية، مستشرفا ً بناء دولة عادلة، قوية،
تحقق السلام و العدالة الاجتماعية الشاملة؛ تقود التنمية المتوازنة وتنظم بيئة الأعمال المواتية للقطاع الخاص الوطنى والأجنبى.


4
. الواقعية السياسية، بل المسئولية الوطنية، تقتضى بأن تنظر الأحزاب والكيانات المهنية وغيرها من القوى المدنية، وكذلك المؤسسة العسكرية بجدية لثوابت الفضاء السياسى الذى تقوده تنسيقيات شباب المقاومة. عاجلاً أو قريباً آجلاً هؤلاء الشباب هم من سيقودون الحركة السياسية ومؤسسات الدولة بشقيها المدنى والعسكرى.

إذن حتى دواعى المصلحة الذاتية المستنيرة، فضلا ً عن المسئولية الوطنيةالواجبةعلى الكل، تتطلب مراعاة الاعتبارات الآتية:

أ – ًهذا الشارع الثورى والفضاء السياسى الذى تمثله هذه الكتلة الشبابية الغالبة، يمثل مشروعا قوميا ً يحظى بما يقارب الإجماع الوطنى الشامل كما تشير كل المؤشرات الماثلة في شوارع المدن والبلدات والأرياف.


ب – عليه،المسئولية الوطنية على كل الأحزاب السياسية أن تنأى بنفسها عن محاولات الاستقطاب والتوظيف لهذه الثروة الاجتماعية السياسية لأهداف وبرامج حزبية ضيقة والتي برأي، بكل الأحوال لن تنال نصيبا ً من النجاح،لكنها لا شك ستربك المشهد
.


ت – بالمقابل، فإن الأحزاب الأخرى التي تسعى الى مشروع توفيقى يمكن برأيها أن يحقق أهداف الثورة المجيدة وطموحات الشباب المشروعة، عليها أن تدرك أن أي مبادرة توفيقية يمكن أن تحظى بقبول الشعب وهذا الجيل الشبابى الثائر لابد وأن تسعى للتموضع في قلب هذا المثلث ذو الزوايا الحادة ومن ثم تبدأ بمحاولة تدوير هذه الزوايا الحادة بصورة توافقية لتسهيل الانتقال نحو سلطة مدنية انتقالية كاملة الأركان وان استصحبت مشاركة،وليس شراكة، عسكرية
محدودة تتعلق بأليات عملية الانتقالفي مجالات ذات طابع مهنى محدد:


*
دمج واعادة هيكلة القوات المسلحةبإشراف عسكرى–  مدنى مشترك

*تصفية متدرجة لأنشطة ومصالح القوات النظامية الاقتصاديةالتجارية غير العسكرية ،تحت اشراف مشترك بين قيادة المؤسسة العسكرية ووزارةالمالية.


*
الترتيبات الأمنية المرتبطة باتفاقجوبا ومشروع السلام بصورة عامة.


ث – لقد حان الوقت بأن تدرك المؤسسة العسكرية بأن تسييس القوات النظامية وهيمنتها على سوق السياسة والمال في السودان لم يعد أمراً مقبولا ً أو ممكناً على المستوى الشعبى ويجب أن يكون كذلك من وجهة النظر المهنية البحتة:


*
بحسب كل التجارب العالمية، فإن أقوى الجيوش تدريباً وتسليحاً وكفاءة تبنيها الدول الديموقراطية، المدنية، التي تحافظ على سلامة أراضيها ووحدتها الترابية ولا تزج بجيوشها في حروب ضد شعوبها أو في حروب خارجية عبثية.


*
الحكمة التي يتوجب توخيها من تراث الحضارة الغربية، كما أفاد الامام الصادق المهدى، عليه الرضوان، بأن أعظم انجازات هذه الحضارة للبشرية جمعاء–  والتي علينا أن تبنيها كما جاء في الهدى النبوى “الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها”
تتمثل في:

(أ) التداول السلمى للسلطة بين النخب السياسية حسب الارادة الشعبية الحرة. و (ب) خضوع المؤسسة العسكرية التي تحتكر العنف المنظم للسلطة المدنية المنتخبة.


*
كذلك بحسب أدبيات النمو الاقتصادى لمجتمعات ما بعد الحروب الأهلية،في ظل الحوكمة السياسية الرشيدة والديموقراطية التوافقية البرامجية، يمكن مضاعفة الناتج المحلى فى سبع سنوات فقط، مما يُمكن معه مضاعفة موارد عامة،أكبر بكثير من ريع الشركات الاحتكارية وغيرها من الأنشطة الريعية في قطاعات التعدين والتجارة والخدمات،لبناء منظومةعسكرية، شرطية وأمنيةحديثة.


ج. كذلك على حركات الكفاح المسلح أن تدركمدى عمق التحولات التي حدثت في مجتمعاتها وتتأمل فيدلالات الحراك الشبابى الذى انتظم المدن والبلدات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق أسوة برفقائهم في كل السودان، مما يستوجبضرورة
تصويب اتفاق جوبا للسلام في اطار مؤتمر قومى للسلام يحقق التمييز الايجابي للمجتمعات والمناطق المتأثرة بالنزاعات عبر أليات قومية بعيداً عن المحاصصات المرتبطة بكيانات أو حركات بعينها.


هذه بعض الأفكار العامة التي برأي، تمثل اطاراً عاماً، وإن يكن غير مكتملاً، لبناء مبادرة وطنية تعالج الانسداد السياسى الحالي، يمكن أن تحُظى بجماع شعبى عريض، تعيد اللُحمة بين أبناء
الوطن الواحد، مدنيين وعسكريين، وبلا شك ستحظى أيضاً بدعم وتأييد المجتمعين الدولى والأقليمى. في ظل هكذا اتفاق يبدأ من الكتلة الشبابية ويشملكل أو حتى جُل الحركة السياسية ويُقبل بواسطة المؤسسة العسكرية نزولا ً على أمر وإرادة الشعب،يصار الى تشكيل
هيأكل السلطة الانتقالية والتوافق على الشخصيات ذات القبول المناسب للتصدى للمسئولية الوطنية الماثلة.

دكتور ابراهيم أأحمد البدوى

وزير المالية والتخطيط الاقتصادى السابق

عضو المجلس الاستشاري الأعلى للأمينالعام للأمم المتحدة للشئون الاقتصادية والاجتماعية

3
يناير،2022

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق