شغب ثوار الجبل على ثوار السهل: نكسة أكتوبر – عبد الله علي إبراهيم

(وقفة مني مناوي وجبريل إبراهيم في منصة الثورة المضادة بالقصر شنشنة أعرفها عن مسلحي الهامش، لا شعب مناطقهم. لها جذور عرضت لها قبل أشهر وأعيد نشرها هنا ليقف الناس على أن التاريخ يعيد نفسه: يأتي المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمسخرة)

لا أعرف عبارة اتفقت مع نقدي للحركات المسلحة (ثوار الجبل أو الهامش) لتجاحدها في التعاطي مع الثورة وحكومتها (ثوار السهل) مثل كلمة للأستاذ ياسر عرمان كتبها قبل الثورة. وعاب فيها ثوار الجبل لفشلهم في عقد علاقة أوثق وأرحب مع ثوار السهل. وسيكون حديثي اليوم عن عواقب كئيبة لثورة السهل من جراء استنكاف ثوار الجبل التعامل معها كطرف أصيل لا كطالب حق مضاع لا غير. وهو وضع بدا به وكأن سقوط حكومة الإنقاذ (وعبود ونميري قبلهما) لا يعدو عن كونه تغييراً لمركز شمالي لم يحسن التفاوض حول مطالب ثوار الجبل بمركز شمالي قد يحسن التفاوض حولها. ويجري دمغه ب”نفس الملامح والشبه” بسابقه متى لم ينصاع للمطالب بأعجل ما تيسر وما لم يتيسر. وبدأنا نسمع هذه الطنة من بعض جماعات الهامش.
كان تجاحد الهامش مع المركز الحكومي الثوري من أكبر أبواب هزيمة ثورات السهل. فمن مداخل تفريط ثوار الجبل في الثورة خلافاتهم الشديدة وسطهم حول التعامل مع الثورة. فقد نشأ بعد قيام ثورة أكتوبر خلاف في حزب سانو، وثيق الصلة بحركة أنياينا التي حاربت نظام الفريق عبود، بين جناحي وليم دينق وأقري جادين. وبلغ حداً تنازع الزعيمان حول من يلقي خطاب الحزب في مؤتمر المائدة المستديرة الذي جمع أحزاب السودان ذات الوزن في مارس 1965 للتداول حول مسألة الجنوب. واضطرا معه للوصول لقاعة الاجتماع متأخرين. وبدا أنهما قررا أن يلقي كل منهما خطاباً مستقلاً. ولاحظت الصحف أنهما جلسا جنباً لجنب لا يتبادلان الحديث. فصفوة الهامش كما رأينا غير مبرأة من ارتكاب الفشل وإدمانه حذو النعل بالنعل بالصفوة الشماليين. وأقول بهذا قابلاً جدلاً أهزوجة منصور خالد التي سارت بذكرها الركبان وصارت علماً سياساً كسولاً بحاله.
جاء خطابا دنق وجادين يحملان خلافهما البين حول مصير جنوب السودان. فقال دينق في خطابه إن مشاكل الافريقيين لا يحسن مثل الأفريقيون حلها. ودعا لنسيان الماضي من مثل سيرة تجارة الرقيق التاريخي. وزاد بأنه يقر بأن في الشمال في مثل تخلف مناطق الجنوب عن ركب التنمية. ونادي بأنهم آنذاك حيال وضع أما أن يتحد البلد على بينة أو ينفصل على بينة. فبينما مال دنق إلى قيام حكم إقليمي أو ذاتي في الجنوب دعا جادين لانفصال الجنوب بغير مواربة. فطالب دينق ببرلمان إقليمي وحكومة خاصة بالجنوب. ونادى بنظام فدرالي بما لا يتعارض مع ميثاق الوحدة الأفريقية. ومعلوم أن منظمة الوحدة الأفريقية كانت قد قررت أن حدود بلدان أفريقيا تبقى على ما تركها عليه المستعمرون. لا تبديل لشرعهم طلباً للسلامة ومنع المجارطة. وفصّل دينق في صورة الحكم الفدرالي لدستور السودان المنتظر آنذاك. وعماده كما سبق برلمان إقليمي للجنوب بصلاحيات وصفها في موضعها، وتطوير الجنوب، وقوات مسلحة مستقلة لحكومته، و جنوبة وظائف المحافظين ونوابهم، وقمندانات البوليس، وتعيين قاض محكمة عليا جنوبي، ونقل الإداريين الجنوبيين للجنوب، والأطباء، وضباط البوليس السجون، وجنوبة قوات البوليس والسجون.
وخلافاً لخطاب دينق الوحدوي كان خطاب جادين انفصالياً عدائياً. فطالب أقري بالاستقلال التام للجنوب. وقال إن الفوارق بين شقي القطر مستحيلة الردم. فهم أفارقة والشمال عرب وكلاهما شديد العزة بأصوله. وقال إنهم لا يريدون للشمال قيادتهم لأنهم سيفقدون ذاتيتهم. وسيبقون عبيداً في نظر الشماليين فلا مجال للوحدة. ووصف الجيش السوداني في الجنوب بأنه جيش احتلال حاربت حكومته المسيحية وطردت القساوسة. وكانت هذه الإجراءات التي قامت بها حكومة عبود لإخضاع الجنوب السبب المباشر في لجوء صفوة من الجنوبيين إلى أوغندا، وتكوين حزبهم السياسي الذي صار سانو، ونشأت بأثره حركة الأنيانيا المسلحة. ووصف جادين الشماليين ب”أبناء الزبير باشا”. وهو ما اضطر معه أستاذنا عبد الخالق محجوب للرد عليه في خطابه أمام مؤتمر المائدة المستديرة قائلاً إن من يرموننا بأبناء الزبير عاهة علموا عنا أفضل من ذلك مثل قيام حزب شيوعي في وسطنا. وانتقد الحزب الشيوعي من جهة أخرى رفض سانو وجبهة الجنوب، مع حديثهما عن الحرية، تمثيل الحزب الوحدوي الجنوبي بقيادة فلمون ماجوك (؟) في المائدة المستديرة
وقف حزبنا الشيوعي بقوة ضد استمرار الأنيانيا في العمل المسلح في الجنوب بينما مؤتمر المائدة المستديرة منعقد للتفاوض حول وضع دستوري مبتكر للجنوب. فقد انتهزت الأنيانيا سانحة العفو العام، وقرار الحكومة للجيش ألا يتعرض لها إلا دفاعاً عن النفس لاستعراض قواتها في المدن والقيام بأعمال سلب ونهب وقتل. وطلب الحزب من الحكومة إلا تلجم الجيش دون حفظ الأمن. وأضطر للانسحاب من لجنة الاثني عشر، التي اتفق لمؤتمر المائدة المستديرة قيامها لمتابعة أجندته، لأن تصعيد الانفصاليين كما رأينا جعل مسألة أمن الجنوب الشاغل الأعلى على غيره ومن جهة تأمين الثورة على وجه خاص. ولم يستمع له ساسة الجنوب في جبهة الجنوب وحزب سانو حين طلب منهم إدانة المصعدين للحرب فارضين سلطانهم على الأرض بالقوة. وانتقد الحزبين لما بدا من استثمارها في التصعيد لدفع مطالبهما بالفدرالية أو غيرها. وزاد الشيوعي بأنه لم ير من الجنوب جدية في الاستقلال بموقف صارم تجاه الأحزاب الشمالية فيما تعلق بتهيئة الجو السليم لحل المسألة الجنوبية. وتعلق هذا الأمر بإلحاح حزبي الأمة والوطني الاتحادي إجراء الانتخابات العامة كما قضى ميثاق ثورة أكتوبر في وقت أعلنت لجنة الانتخابات استحالة إجرائها في الجنوب لضعف التسجيل أو انعدامه. مما سنعود له في كلمة قادمة.
أقف هنا لنرى في كلمة قادمة كيف أدى تجاحد أحزاب صفوة الجنوب إلى نكسة ثورة أكتوبر ضمن عوامل أخرى. سنرى كيف ساومت صفوة الجنوب الأحزاب التقليدية حول عقد انتخابات بدون الجنوب من وراء ظهر الثورة. كما أدى تصعيد الأنيانيا للحرب إلى ترجيح كفة تولي الجيش للأمر في الجنوب من جديد بنتائج كارثية ساقت الثورة إلى حتفها بانقلاب 1969. وسنرى أن ثورا الجبل الذين نكدوا على ثورة السهل عادوا أدراجهم للتصالح مع ديكتاتور السهل في سابقة تكررت أو ستتكرر.

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق