يحيى فضل الله يكتب: معاوية محمد نور (1909 – 1941م )

الا يمر بكم الدكتور هنا ؟

(( يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة المقامة على النيل الأبيض بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم، ويعجب لهذا الالتقاء الهادئ الطبيعي، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت، فكأنما النيلان افترقا في البدء على علم منهما وهنا يتلاقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلاً واحداً، فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل ولا ترى في موضع الالتقاء ما يشير إلى شيء من المزاحمة أو عدم الاستقرار مما يلاحظ عادة في التقاء ما بين جهتين مختلفتين، وإنما هناك عناق هادئ لين، وانبساط ساكن حزين.
فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لابد أنه آخذ بنظرة مرغمة على التأمل، انتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبتة في الصحراء، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيداً ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطباً تمشي في اتئاد وفتور، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف. ورأى إلى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين منبثة هي الأخرى في أماكن متقاربة، ثم سمع صوت “البوري” يرن حزيناً شجياً وسط ذلك السكون الصامت وفي أجواء ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة، فيحس بشيء من الحنين والحزن الفاتر المنبسط ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والأتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق.

وإذا سار به الترام قليلاً في اتجاه النيل رأى أول المدينة المعروف بـ”الموردة ” ورأى السفن البخارية الآتية من أعالي النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية, كما رأى بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في أشكال أهرامات صغيرة, وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شيء من الملال والترديد الحزين ))

هذه السيناريو الممتع مأخوذ من نص كتبه الاستاذ معاوية محمد نور كصورة قلمية ل(امدرمان) في الثلاثينات من القرن المنصرم و معاوية محمد نور كاتب متعدد ، عقل متسع ، يعمل فكره في كل ضروب المعرفة ، يكتب عن مختلف المواضيع ،يكتب عن مواضيع فلسفية معقدة ، يكتب في النقد الإدبي ،يمارس كتابة القصة و يكتب عن امور إجتماعية تستحق الإلتفاف إليها ، إن عن قدرات معاوية نور في الـتأمل و الكتابة تستطيع ان تجعل من ابسط التفاصيل موضوعا له ثقل جوهري ويصبح الموضوع في حيوية التأمل .

علاقتي بكتابات الاستاذ معاوية محمد نور علاقة قديمة و متجددة ، هذه العلاقة أثمرث اربع حلقات إذاعية من يرنامجي ( فضاءات ) لإذاعة البرنامج الثاني الذي إستمر حتي بداية التسعينات واذكر مذاق المتعة الذي كنت أحس به و انا أعد هذه الحلقات الاربع ، كل ذلك لان عوالم كتابات معاوية نور متعدده و تضرب في إتجاهات مختلفة من ضروب الكتابة و المفاهيم حول الكتابة تجدها مفاهيم معاصرة و تلوح بأسئلتها و إجتراحاتها دون ان تصدأ تلك الرؤي و المفاهيم واذكر مفهوما عن الشعر والشاعر ناوشني و حطم البداهات الاولي لدي عن الشعر ايام المعهد العالي للموسيقي و المسرح في بداية ثمانيات القرن المنصرم ، كتب معاوية نور :- (( الشاعر الذي يبدي و يعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه و حسراته التي يثيرها شخص المحبوب او ذكراه فحسب ، مهما إختلفت القافية و تعدد الإيقاع ، لا يعدو ان يكون إنسانا لم تتسع أنانيته الي اكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة ))

ومن هذا المفهوم أكاد أجزم ياني قد تعقدت و أتسعت علاقتي بالشعر و تفجرت تأملات كثيرة حول هذه الجملة (لم تتسع أنانيته ) حد ان اصبحت أميز بسهولة اولئك الشعراء الذين لم تتسع أنانيتهم بعد وللاسف ظل هذا النموذج من الشعراء يتناسل شاعرا بعد شاعر وبعلائقي مع فن القصة أجدني أتحسس و بطرب خاص المقدمة التي كتبها معاوية محمدنور لقصته (المكان ) والتي نشرت في جريدة ( مصر ) في الحادي عشر من نوفمبر 1931م من القرن المنصرم و قد وسم هذه القصة ب(القصة التحليلية ) ، كتب معاوية :- ((هذا النوع من الفن القصصي ليس من مهمته تصوير المجتمع ولا النقدالاجتماعي، ولا استجاشة الإحساس والعطف القوي على الخلائق، وليس من مهمته أن يحكي حكاية، وإنما هو يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجاه الوعي. كما يعرض لمسائل الحياة العادية المبتذلة، ويشير عن طريق الإيحاء إلى علاقتها بشعر الحياة ومسائلها الكبرى. وهو يعرض لذلك الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص واحد من الأشخاص. كما انه يصور ما يثيره شي تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر، وقفز الخيال، وتموجات الصور الفكرية. هذا اللون القصصي – والحالة كما وصفنا- يعرض لأدق المسائل العلمية السيكولوجية المظلمة حتى للعلماء أنفسهم، ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي، ويخرج من كل ذلك تحفة فنية حقا. ويغلب في كتاب هذا اللون القصصي أن يستثيروا نفوسهم ويكتبوا من معين حياتهم، فكأنهم يترجمون لأنفسهم مع بعض الزيادة والنقصان وتغيير الأمكنة والأزمان والأسماء. هذا النوع إنتشر في أوربا وعرف منذ عشر سنوات تقريبا حينما اخرج ( مارسيل بروست ) الفرنسي روائعه القصصية كما انه عرف في أتمه وأحسنه عند ( كاترين مانسفيلد ) و ( فرجينيا ولف ) من كتاب الانجليز ونود ولا شك أن يكتب وان يعرف في وادي النيل ((

ويدخل معاوية نور في تحليل شخصية قصته ( مجدي ) وعلاقاته و علائقه بالمكان :- ((وابتدأ يلم أطراف موضوعه تهيؤا للكتابة النهائية. فخط في وسط السطر (( إحساسي بالمكان )) وكتب:

1 – كيف إنني اذكر الأشخاص الذين عرفتهم دائما في مكان بعينه ويتكرر ذلك المكان كلما ذكرتهم!
2 -كيف إنني في ساعات الدرس والتحصيل تلح في ذاكرتي صور وخرائب وأمكنة رايتها منذ عشرات الأعوام فتزورني من غير أن أناديها. وقد يقفز بي مكان في بلد إلى مكان في بلد أخر لا اعرف ما العلاقة بينهما قط ولا استطيع أن اعرف.
3 -كيف أتخيل بعض الأمكنة ومواقعها قبل أن أراها، فلما تسعدني الظروف برؤيتها تكون وفق ما تخيلت في اغلب الأحيان!
-4 كيف أحس إن المكان الذي رايته لأول مرة في حياتي قد رايته من قبل في حياة سابقة أخرى!
5 – كيف إن خاطري في بعض الأحيان يلح بي لكي اذرع حوائط الدكاكين الداخلية – التي لا اعرفها – وأتمعن في ترابها وزواياها كأني قد تركت روحا هناك! ))

كتب معاوية محمد نور في جريدة الجهاد في 25-3-1933م بعنوان (الاهالي بين المرض و الصحة) نتجول في هذا المقال ونري كيف ان إهتمامات هذا الكاتب المفكر بأمور وطنه كانت جادة في تلمس تفاصيل الحياة خاصة اذا علمنا ان جريدة ( الجهاد) جريدة مصرية ، كتب في هذا المقال :- (( ما أعرف أمة تشقي بالمرض و الالم الجسماني مثل ما يشقي السودان و ما أعرف شعبا سرقت منه حيويته و مقدرته علي العمل و الإنتاج مثل الشعب السوداني ، فالملاريا و الدوسنتاريا و البلهارسيا و خلافها من الامراض المضعفة للجسم ، المنهكة للقوي ما زالت تعمل بين حميع أهالي السودان عملها و خاصة بين الفلاحين عامود الأمة الفقري و رجالها العاملين و قد إزدادت الامراض في الاعوام الاخيرة إزديادا و إنتشرت امراض جديدة لم تكن معروفة بهذا القدر في سابق الايام و عندي ان الفاقه و ما ينتج عنها من سوء التغذية و رداءة السكن هي السبب الاول في إنتشار الملاريا و الدوسنتاريا و الجدري بطريقة و علي منوال مفزع في مديرية دارفور ،فقد توفي من الجدري وحده في مديرية دارفور في اعوام ثلاثة نحو1293 نفسا ، هذا هو الإحصاء الرسمي ، من يدرينا ؟ فلعل مالم يحص او ما لم يستطع إحصاءه كان اكبر من هذا العدد ))

إن معاوية نور يعري الواقع الإجتماعي و الإقتصادي للإنسان السوداني في فترة الثلاثينات من القرن المنصرم و في كلماته ثورة واضحة ضد هذا الوضع المتدهور و يربط ذلك بقدرة هذا الانسان علي الإنتاج :- ( زرت اثناء الصيف الماضي بعض مدن وقري النيل الازرق لمديرية الفونج ورأيت الفلاح السوداني عن كثب يعمل بصبر عجيب و هو يكاد من الجوع و المرض لايستطيع الحراك وقد رأيت اولاده يسكنون معه في كوخ صغير من القش لا نوافذ له و ليس به أثاث ، رأيت هذا الرجل يعمل و العرق يتصبب من جبينه وسط المستنقعات الموبوءة بالبعوض فاذا فرغ من عمله أوي الي كوخه منهوك القوي يتناول طعامه و ما طعامه سوي الذرة المسلوقة فحسب و رأيت اولئك الإبناء تعصف بهم الملاريا فاذا بطونهم منفوخة وارمة واذا بلونهم شاحب حزين ، التراكوما هي الاخري تكاد تودي بأبصارهم و هو عراة الاجسام ، ضعيفوا البنية و يفدون و يروحون تحت ذلك الهجير الملتهب ، كيف نطلب إذن من هذا الرجل الميت ان يعمل فيجيد العمل و ينتج الثروة لبلاده و نحن لا نهيئ له مسكنا صالحا و لا طعاما مقبولا و لا صحة في بدن او امر في راحة مقبلة او سعادة منتظرة ))

إن قلم معاوية محمد نور يغوص عميقا في تفاصيل مأساة الانسان السوداني و يقدم إدانته واضحة للإستعمار الإنجليزي :- (( لقد رأيت بعض الشباب في قرية من قري مركز سنار ، مرضي بالملاريا و التراكوما ،فلما تحدثت إليهم :- ( ألا يمر بكم الدكتور هنا ؟ ) ، أجابوا بصوت واحد ملئ بالرجاء و الإستعطاف :- ( كلم المفتش يا جناب الافندي ) ، ثم سألت و قد رأيت في بعضهم ذكاء و نشاطا رغم مظاهر الفاقه و المرض :- ( اليس عندكم كتاب ، مدرسة أوليه هنا ؟ ) ، أجابوا :- ( كان زمان في مدرسة هنا و بعدين شالوها و العمدة طلبها تاني من المفتش ، لكن لسه ما جابوها ) ، هولاء هم السودانيون العاملون دافعو الضرائب و زارعو الارض الذين من أجلهم ذهب الإنجليز للسودان لنشر الحضارة و التقدم بينهم يعيشون في فقر مدقع و مرض متواصل وفقر روحي و جهل لايوصف ))
قبل ما يزيد عن ستين عاما وفيما قبل منتصف القرن العشرين كتب معاوية محمد نور هذا المقال ، تري هل إختلف الواقع السوداني الان عن ما وصفه معاوية محمدنور في الثلاثينات من القرن المنصرم ؟ ويبقي تساؤل معاوية محمدنور (ألا يمر بكم الدكتور هنا ؟ ) تساؤلا قائما و عابرا قرن من الزمان فاضحا لاجدوي الممارسة السياسية في السودان و يتساوي الإستعمار و الحكومات الوطنية امام هذا التساؤل .

(في القطار) ، قصة قصيرة كتبها معاوية محمد نور في الثلاثينات من القرن المنصرم عن مأساة طفل يبيع الشاي و معه أمه في محطة (شندي) ، نحن الان نكاد ان نتجاوز العقد الاول من القرن الواحد والعشرين و محطة شندي نادرا ما تمر عليها القطارات.

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق