ذكرى منصور خالد: وفي نفسه من نظام مايو شيء من حتى – عبد الله علي إبراهيم

مرت الذكرى الأولى لرحيل الدكتور منصور خالد وأنا أطالع سفره “شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية” بأجزائه الأربعة. وكنت اعتقدت أنني نلت كفايتي من فكر منصور بعد أن قرأت له ما وسعني مما سبق “شذرات” لأكتب كتابي “. . . ومنصور خالد”. ولكن ضرورة بحثية اقتضت أن أرجع إلى آخر ما كتب.
بغض النظر عما كان بيننا، منصور وأنا، من خلاف فبينا ما تزال زمالة الكتابة. وعلمت بغبطة أمس فقط أنه قبل من نقدي له ما لم يقبله صديق له. فلما استنكر صديقه نقدي له عن كتاباته في جريدة الناس، وهي تابلويد الخمسينات مثل ألوان السبعينات وما تزال، قال له منصور إنه كتب في الناس ما استحق النقد مما أملاه نزق الشباب أو نحوه.
وبهذه الزمالة أشفقت عليه وأنا أقرأ له في “شذرات” ما بدا لي أنه رحل عن دنيانا وفي نفسه شيء من حتى. فلم يبرحه في كتابه هذا التنغيص الشديد الذي لقيه عن دوره في نظام مايو ومن الشيوعيين بالذات. وكنت اعتقدت أنه صفى حسابه مع تلك المطاعن في كتابه “النفق المظلم”، أو أنه غطى عليها بعقود انتمائه الناشط للحركة الشعبية.
فليس يسعدني كزميل في الكتابة أن أرى قلماً في شكيمة قلم منصور يساوره الغضب من شانئه حتى يفقد الزمام. فأقرأ أيها القارئ هذه السطور من الكتاب عن قيام انقلاب مايو ١٩٦٩ لا لتقف على غبن الرجل بل ومفارقته زينة قلمه المعروفة:

“وقع (الانقلاب) في الخامس والعشرين من مايو عام تسع وستين وتسعمائة وألف بعد ميلاد المسيح، الموافق الثاني والعشرين من شهر طوبة عام ١٦٨٦ قبطية، الموافق الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام ١٣٦٩ هجرية، والموافق شهر أيار بالحساب السرياني”.
وهذه تأرخة من منصور لم يرتكبها من قبل، ولا أحسب أن هناك من سبقه إليها في تعيين وقوع حدث في التاريخ. ودافعه لهذه الغرائبية أن من طعنوا فيه لمظاهرته نظام مايو لم يتورعوا أنفسهم عن مظاهرة النظام في طور أو آخر من حياته. فقال إنه ذكر تواريخ الانقلاب الميلادي والهجري والقبطي والسرياني “رغبة في قفل الطريق على المتزيدين حتى لا يفر أحد بجريرته”. فكل وطد النظام الشمولي ثم خرج يلعنه. فعرف السودان، في قوله، ٣ مايوهات:١٩٦٩- ١٩٧٢، ١٩٧٢-١٩٨٣، ١٩٨٣-١٩٨٥ والأخيرة هي فترة الهوس الديني. وعليه لا يملك من طاعنوه بمايو ترف الأسلوب الانتقائي الذي لجأوا إليه في تحليل ذلك النظام، كل حسب هواه.
ومنصور على حق هنا. فنظام مايو مَثّل كل ألوان طيف عقائد ومطامح البرجوازية الصغيرة من اليسار والوسط واليمين. فجاء تكل من هذه الفرق إليه في توقيتها الخاص وخرجت وقد حرقت نفسها في رابعة النهار. ولا أدرى أن كان من متانة الحجة في بيان المايوهات الثلاث وتورطنا جميعنا فيها ذكر منصور قيام النظام في التواريخ التي ذكرها من الميلادي إلى السريان. وبدت لي هذه التأرخة غضبة منصورية اشتهر بها ولكنه دون ما عودنا.
ومن رأي منصور أن مايو ثورة مع أنه تحدث عنها في مواضع أخرى كانقلاب. وقال مرة في عناد غير مفيد: “منذ اندلاع ثورة مايو”. وزاد بأنه يصر على تسميتها ثورة لأن قواعد الثوار السودانيين اندفعت للإشادة بها كثورة في موكب نظمه اتحاد نقابات العمال في يونيو ١٩٦٩. ودعم قوله هذا برواية له مع مذيع ما. ذكر منصور في اللقاء معه مايو ب”ثورة مايو”. فقال له المذيع أو تسميها ثورة. فأفحمه منصور قائلاً وماذا كنتم تسمونها في منبركم من قبل.
لا تثريب أن تكون مايو ثورة. ولكن منصور، من الجهة الأخرى، نفى أن تكون لا أكتوبر ١٩٦٤ ولا إبريل ١٩٨٥ ثورات بل انتفاضات “عابرة تنفس للناس إلى حين عن احتقانات متراكمة”. فالتغيير عنده يتم عبر ثورة متواصلة تعبر بالسودان إلى زمن جديد يتخلله تحول في المفاهيم، ومراجعة للبني السياسية التحتية إلخ. الثورة عمل جذري.
ليس منصور غريباً على خصومة الشيوعيين والعكس صحيح. ولكنه جاء هذه المرة إلى الخصومة بتزوير للسجل. فذكر لأستاذنا عبد الخالق محجوب وقفته في مؤتمر المائدة المستديرة يواجه مطاعن السياسي الجنوبي أقري جادين للشماليين بأنهم أحفاد الزبير باشا. وعليه فهم يحسنون عوس جدهم في الجنوب. فقال منصور عن تلك المواجهة:
قال عبد الخالق “نحن فخورون بأن نكون أحفاد الزبير”. وعلق: ويالذلك من فخر . . . فأي تفاخر بالرق يدخل في باب المعايب والمثالب.
وكان قول عبد الخالق كالآتي نصاً:
“كم تمنينا لو شملت رياح التغيير بعض إخوتنا ممن يحبذون نعتنا “أحفاد الزبير باشا”. حسناً نحن احفاد الزبير باشا (ضحك) فإننا لا نتوارى من تاريخنا. ولكننا ننتقده بموضوعية وبدون مرارات. نحن نتعلم درساً من كل ذلك بيننا . . … فأحفاد الزبير تقدموا مع خطى الزمن لبناء السودان الجديد، ومؤسساته التقدمية ومن بينها الحزب الشيوعي السوداني”.
أغلقت السجل case close
يحزنني أن ترك منصور فينا ترجمة غصت بمضاضات من مواقف وخصومات لم تعييه في حياته ولم تفحمه.
رحمه الله وأحسن إليه.

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق