بنادي عليكِ في الأيام: كاف المخاطب في العامية السودانية – د. خالد محمد فرح

 

العبارة التي صدّرتُ بها هذه الكلمة ، شطر من المقطع الافتتاحي لأغنية من تأليف وتلحين وأداء المطرب السوداني الراحل زيدان ابراهيم ، والذي يقول فيه:
بنادي عليكِ في الأيام
وافتش ليكِ في الأنسام
واسأل نفسي هل ألقاك
وأسعد بى وداد وغرام ؟!!!
وما كنت على علم في الواقع بأن تلك الاغنية هي من تاليف الفنان زيدان ابراهيم أصلاً ، لولا ان أسعفني صديقي الاكاديمي والموسيقار الدكتور كمال يوسف بهذه المعلومة ، وذلك لأن زيدان رحمه الله لم يشتهر بكونه شاعراً الى جانب تميزه خاصةً في الأداء الغنائي ، كشهرة مغنين مشهورين آخرين برّزوا في هاتين الصنعتين معاً مثل: عمر البنا والكابلي والطيب عبد الله وصلاح مصطفى وشرحبيل احمد وخليل اسماعيل وصالح الضي علي سبيل المثال.
على أنّ الذي ندبني حقيقةً لكتابة هذا المقال ، هو مبحث لغوي يتعلق بملمح واحد بعينه في الفوارق المناطقية في العامية السودانية على المستويين النحوي والصوتي معاً. فقد لاحظتُ، وربما لاحظ غيري ممن يشاركونني الخلفية الجهوية والثقافية واللغوية تبعاً لذلك ، أنّ سكان وسط السودان خاصة يميلون الى توحيد صوت كاف المخاطب في كلامهم فيلزمونها صوت السكون أبداً ، سواء كان المُخاطب ذكراً أو أنثى. فهم يقولون مثلاً؛ الكتاب ده اشتراه ليك أبوكْ في الحالين سواء كان المخاطب ولدا ام بنتا ، بينما يميل أهل كردفان مثلا في لهجتهم الى تحديد جنس المخاطب في هذه الحالة فيقولون: الكتاب ده جابو ليك ابوكْ للولد وجابو ليكِ أبوكِ بالكسر للبنت ، بل ربما أشبعوا الكسرة فصيروها ياءً سوية اي ” أبوكي ” ، لتأكيد أن المخاطبة أنثى وليست ذكرا.
وهذا الفرق في الخصائص اللهجية بين انحاء السودان المختلفة لمما تنشأ عنه مفارقات ومواقف طريفة ومضحكة ، منها ما حكاه لنا صديق وزميل دراسة قديم من جماعتنا تصادف ان اشتغل مدرسا باحدى المدارس الخاصة بالخرطوم ، فقال يوما لإحدى زميلاته المدرسات وهو يستحلفها: عليكي الله !!؟ قال فانفجرن ضاحكات في شيء من السخرية والاستهجان.
ويبدو لي أن هذه الخاصية الصوتية والنحوية من خصائص لهجة وسط السودان ، أي إلزام كاف المخاطب صوت السكون في كل الأحوال ، قديمة قدم هذه اللهجة نفسها ، فقد وقفت على شاهد قديم لها في كتاب الطبقات للشيخ محمد النور ولد ضيف الله ١٧٢٧ – ١٨١٠م ، هو قول إحدى مريدات الشيخ شرف الدين بن عبد الله العركي بن الشيخ علي بن بري تمدحه:
شجرة وقت الله ادّاكْ
لا نيلاً سقاكْ ولا مطراً جاك
ولد عركي كل يوم يغشاكْ
سوّالك ورقاً ظلاّكْ
هذا ، ولا بد من الإشارة مع ذلك إلى ان هذه القاعدة في لهجة وسط السودان ليست متبعة بصورة صمدية دائمة ولا محيد عنها. فقد لاحظنا على سبيل المثال حتى من خلال المقطع الذي استشهدنا به آنفا من أغنية: بنادي عليك لزيدان إبراهيم ، أنه قد جمع في الواقع بين المذهبين. إذ أنه عندما يقول: بنادي عليكْ بتسكين الكاف في أول الاغنية ، انما يسير على مذهب لهجة وسط السودان ، ولكنه عندما يمضي في الغناء مسترسلا:
بنادي عليكِ في الأيام
وافتّش ليكِ في الأحلام .. الخ بكسر الكاف في كلمتي ” عليك ” و ” ليك ” على التوالي ، فانما يسير على نهج عربية غرب السودان الذي هو سائر بكل تأكيد ، على نهج العربية الفصحى نفسها.
وختاماً ، فإنّ من الشواهد على كسر كاف المخاطبة الأنثى كذلك في العامية السودانية ، عنوان ديوان شعر سياسي غاضب صدر في سبعينيات القرن الماضي للشاعر المرحوم السفير سيد احمد الحاردلو هو:” ملعون أبوكي بلد !! “. والمعروف ان سيد الحاردلو من شمال السودان ، ويصدر عن لهجة الشايقية بالتحديد.

خالد محمد فرح
٦ / ابريل / ٢٠٢١م

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق