ليلة العقيد فيصل مدني – عبد الله علي إبراهيم

(من كتاب "إوراق انقاذية" تحت النشر)

كان العقيد طيار فيصل مدني، عضو مجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطني، يذرع مكتب العميد عثمان احمد حسن، رئيس اللجنة السياسية التابعة لذلك المجلس، الواسع بمبنى مجلس الشعب بأم درمان. وكنا ساعتها في اجتماع بالعميد عثمان. وكان المجتمعون بالعميد جماعة من أعضاء مؤتمر الحوار الوطني من أجل السلام فينا الدكتور الطيب زين العابدين، والدكتور عبد الله ادريس، والدكتور عمر بليل، والدكتور محمد نورالدين. ولا أذكر آخرين ربما كان فيهم الدكتور سيد حريز والدكتور أبو سليم.
ومناسبة الاجتماع هو تبليغ العميد بالتعذيب الذي كان يقع لوقتها من قبل أمن النظام على أستاذ طبيب بجامعة الخرطوم. وكان الدكتور عبد الله ادريس هو الذي نبهنا إلى ما يقع على الطبيب. فقد جاءنا قائلاً إنه ظل يسمع مثلنا بوقائع تعذيب يقوم بها أمن النظام الجديد ضد خصومه. ولكنه لم يستوثق من وقوع هذه الممارسة بنفسه عن كثب إلا حين تعرض لها طبيب أطفاله موضوع لقائنا بالعميد. وكانت هذه الجماعة التي استنفرها الدكتور عبدالله ادريس قد تنادت مرات عديدة خلال انعقاد مؤتمر الحوار في شتاء 1989 للتعبير لأهل السلطة، الذين كنا بين ظهرانيهم، استنكارنا خروقات الإنقاذ لحقوق الانسان مثل الحكم بإعدام الدكتور مامون لنشاطه النقابي.
ليس للعميد عثمان شبيه في جلال الاستماع للشكاوي. أدب جم، وأذن صاغية، ومزاج سياسي كان العهد عنده مسؤولا. ومن لم يشتك له لم يعرف ورعاً كورعه في تحري مطلب الحق. ولست أخفي أنني انزعجت نوعاً ما للعقيد مدني الذي كان يذرع الغرفة يكاد “يشرب من دمنا”، كما تجري العبارة، ونحن جلوس نحكي عن هذا الأمر الجلل. كان العقيد في كامل شبابه مفتوناً به في زي الطيارين العسكري الأزرق الفاتح الوسيم. كان العقيد وقتها مسؤولاً عن كردفان وربما كان مقيماً بالأبيض. وبدا لي كأنه يستعجلنا الفراغ من شأننا لكي يخلو إلى العميد عثمان
حين جئينا صباح اليوم بعد اللقاء بالعميد عثمان بشرنا الدكتور عبدالله ادريس بإطلاق سراح الطبيب. وقال إنه علم أن العميد والعقيد قد سهرا الليل كله حتى تم الإفراج عن الطبيب في الساعات الأولي من الصباح. وسعدت بالنبأ. ورسخ ذلك عندي مفهوماً تدوالته مع بعض المعارضين للنظام الذين استنكروا عملي بلجنة الحوار وقالوا إنه يُكسب النظام شرعية لا يستحقها. وقلت للمعارضين لماذا لا يكون نشاط من قبلوا دخول المؤتمر الوطني للحوار من أجل السلام ذراعاً سياسياً تنفذ منه المعارضة إلى بعض ما تريد. وقلت لهم لماذا لا تتبنون نشاط هذه الجماعة المسؤولة التي لم تأخذ اشتراكها في المؤتمر على عواهنه، بل ظلت ساهرة العين تلتقي بأعمدة النظام تراجعهم في بؤس فعائل دولتهم.
وقلت لهم لماذا لا تعيدون على ضوء هذه المستجدات تأسيس الجمعية السودانية لحقوق الإنسان التي غلبت المرحوم محمد عمر بشير من فرط كسل عضويتها. ولا زلت أذكر أنني سمعت ذلك منه شخصياً حين سألني أن اسافر إلى عطبرة للحديث إلى أهلها عن حقوق الإنسان في يومها العالمي. ولم أكن عضواً بالجمعية وحسب بل كنت سيء الظن بها لأنها كانت لجنة لحقوق الإنسان التابعة للتقدميين والقاصرة على متاعبهم دون سواهم. وسافرت لعطبرة إكراماً للبروفسير وبراً بمدينتي لا غير. وقد قلت لهم إن ما يزكي منهجي هذا هو وجود الدكتور محمد نورالدين، سكرتير الجمعية السودانية لحقوق الإنسان، بين جماعتنا بمؤتمر الحوار. واستحال إقناع المعارضين. وكيف للمرء دعوة أهل داحس والغبراء المتخندقين إلى السياسة كعلم للحيل وممارسة نبيهة. لقد أسمعت لو ناديت حياً.

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

إضغط هنا  للانضمام إلى مجموعتي في واتساب

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق